صنعت الملاحم أساطير العالم القديم ومن أشهر تلك الملاحم إيزيس وأوزوريس وهي ملحة مصرية قديمة، وكذلك ملحمة جلجامش التي جاءت من بلاد ما بين النهرين أو العراق القديم.
ملحمة إيزيس وأوزوريس
وفقًا للأسطورة المصرية القديمة، فإن فيضان النيل ليس سوى دموع إيزيس، التي كانت تنعي وفاة زوجها الحبيب أوزوريس، بينما كانت تحاول تجميع أجزاء جسده التي مزقها أخوه الشقيق سيث إلى أشلاء.
وتقول الأسطورة، إنه ولما علمت "إيزيس" بمصير زوجها وهي من مصر أخذت تبحث عنه في كل مكان، واستبدت بها الأحزان، فبكته بالدمع الهتون، وكانت كلما هطلت الدموع من عينيها غزيرة.. تتساقط في النيل فتمتزج بمائه فيفيض. فقد كان الفراعنة يعتقدون أن دموع "إيزيس" هي سبب فيضان النيل وأخيراً استدلت "إيزيس" الإلهة الجميلة على مكان زوجها ومضت إلى (بيبلوس) وهناك دخلت القصر واتخذتها الملكة نديمة لها ومرضعة لوليدها.
وكانت إيزيس في تلك المدة قد اتخذت صورة النسر- رمز الحياة - وحومت حول العمود العظيم القائم وسط القصر، وطافت بجثة زوجها وأخذت تناجي روحه، فتحولت بقوتها السحرية إلى روح ترى من أمامها ولا يراها أحد، ثم حدثت المعجزة فقد حملت إيزيس بالروح دون أن يمسها بشر. حملت في أحشائها الطفل "حورس" وهربت به في أحراش الدلتا إلى أن كبر فحارب الشر وانتقم لأبيه وخلّص الإنسانية من شرور عمه "ست" فسماه المصريون حينذاك (الإله المخلص).
وأرادت الملكة أن تكافئ إيزيس فسألتها عن بغيتها فطلبت منها جذع الشجرة الذي يحوي زوجها فأعطته لها وأخرجت التابوت منه، وحملته مسرورة ثم وضعته في سفينة وأبحرت به إلى مصر، وهناك استلقت على جثة زوجها الهامدة، ونفخت فيها من أنفاسها مستعينة ببعض الآلهة، فردت إلى الميت الحياة، ثم ارتفع "أوزوريس" بعد ذلك إلى السماء واعتلى العرش في العالم الآخر.
ملحمة جلجامش
تحكى الملحمة قصة جلجامش ملك أورك وبطلها وحاميها، الذى كان بطلا شعبيا حتى أن الخيال الشعبى جعل أمه آلهة وأنه ثلث إله.. (وتبدأ الملحمة بتصوير لحظة طغيان تولدت عند هذا البطل، فأصبح ظالماً وقاسياً؛ حتى إنه لم يبق عذراء ليوم زواجها، بل كان هو الزوج الأول لكل عروس. حتى ضاقت به الناس وتذمروا من جوره، وابتهلوا للإلهة كى تخلصهم من جوره، لا من شخصه؛ لأنه مع ذلك كان محبوبا من شعبه، لأنه دافع عنهم وحماهم من الغزوات، فاستجابت الإله لتضرعات الناس، وخلقت لهم انكيدو ليصارع جلجامش ويقهره، لمنعه من الظلم.
وتبدأ المرحلة الحاسمة فى الملحمة بالصراع بين أنكيدوا وجلجامش الذى جرى عند المعبد أمام الناس وانتهى بالتعادل بينهما، وقد اقتنع كل منهما بعدم قدرته على هزيمة الأخر؛ مما حدا بجلجامش بأن يتخذ انكيدو صديقا ومرافقا له، وتصالحا على محاربة الشر، وفى هذا السياق تعاونا فى قتل الوحش الأسطورى الذى نصبته الآلهة حارساً لغابات الأرز، فعاقبت جلجامش بالقضاء على صديقه ومعاونه أنكيدو، وفى تقديرى أن هذا الحدث العام هو ذروة العمل الدرامى فى هذه الملحمة؛ لأنه أحدث التحول الجوهرى فى نفسية الملك، وجعله يزهد فى كل شيء، ويبدأ رحلة البحث المضنية عن الخلود.. وقد تعاطفت مع جهوده فى بلوغ هذه الغاية إحدى الآلهات، ودلته على الكائن البشرى الوحيد الذى نال الخلود بعد أن نجا هو وزوجته من الطوفان الذى عم الكون، والذى يدعى (أوتنابشتم).